عبد القاهر الجرجاني
331
دلائل الإعجاز في علم المعاني
واعلم أنه لو كان المعنى في أحد البيتين يكون على هيئته وصفته في البيت الآخر ، وكان التّالي من الشاعرين يجيئك به معادا على وجهه لم يحدث فيه شيئا ، ولم يغيّر له صفة ، لكان قول العلماء في شاعر : " إنّه أخذ المعنى من صاحبه فأحسن وأجاد " ، وفي آخر : " إنّه أساء وقصّر " ، ولغوا من القول ، من حيث كان محالا أن يحسن أو يسيء في شيء لا يصنع به شيئا . وكذلك كان يكون جعلهم البيت نظيرا للبيت ومناسبا له ، خطأ منهم ، لأنه محال أن يناسب الشيء نفسه ، وأن يكون نظيرا لنفسه . وأمر ثالث ، وهو أنّهم يقولون في واحد : " إنه أخذ المعنى فظهر أخذه " ، وفي آخر : " إنّه أخذه فأخفى أخذه " ، ولو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيئته ، وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدّل لفظا مكان لفظ ، لكان الإخفاء فيه محالا ، لأن اللّفظ لا يخفي المعنى ، وإنّما يخفيه إخراجه في صورة غير التي كان عليها . مثال ذلك أن القاضي أبا الحسن " 1 " ، ذكر فيما ذكر فيه " تناسب المعاني " ، بيت أبي نواس : [ من الرمل المجزوء ] خلّيت والحسن تأخذه * تنتقي منه وتنتخب " 2 " وبيت عبد اللّه بن مصعب : [ من الوافر ] كأنّك جئت محتكما عليهم * تخيّر في الأبوّة ما تشاء " 3 " وذكر أنّهما معا من بيت بشار : [ من الطويل ] خلقت ما فيّ غير مخيّر * هواي ، ولو خيّرت كنت المهذّبا " 4 " والأمر في تناسب هذه الثلاثة ظاهر . ثم إنه ذكر أن أبا تمام قد تناوله فأخفاه وقال : [ من الوافر ]
--> ( 1 ) يعني القاضي الجرجاني علي بن عبد العزيز في كتابه " الوساطة بين المتنبي وخصومه " ( الوساطة 160 ) . ( 2 ) البيت في الديوان ( ص 349 ) ، وهو من أبيات قالها يمدح فيها امرأة تدعى جنان يقول : ما هوى إلا له سبب * يبتدي منه وينشعب فتنت قلبي محجبة * وجهها بالحسن منتقب خليت والحسن تأخذه * تنتقي منه وتنتخب فاكتست منه طرائفه * واستزادت فضل ما تهب ( 3 ) لعبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير . ( 4 ) ( الديوان 1 / 246 ) من قصيدة يلوم فيها يحيى بن زيد .